تجري السعودية محادثات متقدمة مع تركيا بشأن إمكانية المشاركة في برنامج المقاتلة «قآن» من الجيل الخامس، في خطوة قد تمنح أنقرة شريكا دوليا رئيسيا جديدا في مشروعها الطموح لتطوير المقاتلة، في ظل مساعي الرياض لتعزيز قدراتها الدفاعية وتوطين الصناعات العسكرية.
وأفادت صحيفة «بيزنس إنسايدر» بأن الرياض تستكشف سبل الانضمام إلى البرنامج الذي تقوده شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية «توشاش»، رغم عدم الإعلان حتى الآن عن اتفاق نهائي بهذا الشأن.
وتتواصل المفاوضات بين الجانبين منذ عدة أشهر، إلا أنها اكتسبت زخما جديدا منذ توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس 2026، والذي أسس إطارا لتعاون عسكري واستراتيجي أوسع بين الدول الثلاث.
مفاوضات السعودية وتركيا بشأن «قآن»
وخلال معرض الدفاع العالمي في الرياض في فبراير الماضي، قال المدير العام لشركة «توشاش»، محمد دمير أوغلو، إن المحادثات مع السعودية وصلت إلى «أعلى مستوى».
كما قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته إلى السعودية في الشهر نفسه إن اتفاقا بشأن الاستثمار المشترك في برنامج «قآن» يمكن أن يوقع «في أي لحظة».
وتتراوح الخيارات المطروحة أمام الرياض بين شراء المقاتلات بشكل مباشر، وصولا إلى المشاركة في إنتاجها وتطويرها، بما يدعم هدف السعودية ضمن رؤية 2030 لتوطين 50% من الإنفاق العسكري بحلول عام 2030.
السعودية تنضم إلى مصر في استكشاف «قآن»
ويأتي الاهتمام السعودي ببرنامج المقاتلة التركية «قآن» بعد انخراط مصر في مباحثات مماثلة، في وقت كانت فيه أنقرة تبحث عن شركاء دوليين لبرنامج مقاتلتها من الجيل الخامس.
وأبدت مصر اهتمامها بالبرنامج خلال زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تركيا في سبتمبر 2024، حيث قال المدير العام لشركة «توشاش»، محمد دمير أوغلو، إن تركيا ستكون «سعيدة جدا برؤية مصر تشارك في مشروع قآن».
وتقدمت المحادثات بصورة أكبر خلال عام 2025، مع تقارير في أغسطس أفادت بأن تركيا وافقت على مشاركة مصر في البرنامج، إلا أن القاهرة لم تعلن حتى الآن عن اتفاق نهائي ورسمي للانضمام إلى برنامج «قآن».
قآن وإف-35.. خيارات متوازية
وسعت كل من تركيا والسعودية ومصر إلى الحصول على المقاتلة الأمريكية الشبحية «إف-35»، وإن اختلفت نتائج هذه المساعي من دولة إلى أخرى.
فقد أُخرجت تركيا من برنامج مقاتلات «إف-35» عام 2019، بعد إتمامها صفقة شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400»، في حين سعت مصر بدورها إلى الحصول على المقاتلة الأمريكية المتقدمة، دون أن تتمكن من ذلك حتى الآن.
أما السعودية، فقد اقتربت أكثر من الحصول على «إف-35» بعدما دعمت واشنطن إمكانية بيعها للمملكة في عام 2025، إلا أن الولايات المتحدة لا تزال تبدي تحفظات بشأن مفاوضات الرياض المتوازية مع موردين آخرين للأسلحة.
وأفاد موقع «ميدل إيست آي» بأن مسؤولين أمريكيين سعوا إلى الحصول على توضيحات بشأن محادثات السعودية التسليحية مع شركاء إقليميين.
وبحسب التقارير، طمأنت الرياض واشنطن بأنها لن تشتري المقاتلة الباكستانية «جي إف-17»، لكنها لم تقدم ضمانا مماثلا بشأن إمكانية مشاركتها في برنامج «قآن».
ويزيد هذا الغموض من تعقيد مفاوضات «إف-35»، في ظل حاجة واشنطن إلى الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل عند الموافقة على صفقات الأسلحة المتقدمة في المنطقة.
السعودية تبقي خيارات المقاتلات الأخرى مفتوحة
إلى جانب اهتمامها ببرنامج «قآن» التركي، سبق للسعودية أن بحثت إمكانية الانضمام إلى برنامج القتال الجوي العالمي «جي كاب»، الذي تقوده بريطانيا وإيطاليا واليابان لتطوير مقاتلة من الجيل السادس، تستهدف الدول الثلاث إدخالها إلى الخدمة اعتبارا من عام 2035.
ويجمع البرنامج القدرات الصناعية لشركات «بي إيه إي سيستمز» البريطانية و«ليوناردو» الإيطالية وشركة «جابان أيركرافت إندستريال إنهانسمنت» اليابانية ضمن المشروع الصناعي المشترك «إيدج وينج».
وكانت إيطاليا قد أعلنت في نوفمبر 2024 أن السعودية يُرجح أن تنضم إلى البرنامج، في ظل حاجة المشروع إلى استثمارات إضافية وسعي الشركاء إلى توسيع قاعدة المشاركين والسوق المستقبلية للمقاتلة.
لكن انضمام الرياض لم يكن مسألة محسومة، إذ ظهرت تحفظات يابانية مرتبطة بمشاركة السعودية في تطوير برنامج يتضمن تقنيات عسكرية حساسة، ولا سيما ما يتعلق بتبادل التكنولوجيا وضوابط تصدير المكونات والتقنيات المتقدمة.
وبحسب تقارير يابانية، كانت لندن وروما وطوكيو منفتحة على مشاركة السعودية، لكن على أن تتم بعد إحراز البرنامج تقدما أكبر وحسم القضايا المتعلقة بتقاسم التكنولوجيا.
وتغير وضع البرنامج منذ ذلك الحين، ففي يوليو 2026 وقعت الدول الثلاث عقدا بقيمة 4.6 مليار جنيه إسترليني مع «إيدج وينج» لدفع مرحلة التصميم والتطوير إلى الأمام، بينما أكدت بريطانيا تخصيص 8.6 مليار جنيه إسترليني للبرنامج على مدى أربع سنوات.
كما دخلت كندا البرنامج في يوليو 2026 بصفة دولة مراقبة، ما يعكس توجه «جي كاب» إلى توسيع التعاون مع شركاء جدد دون منحهم بالضرورة دورا كاملا في التطوير منذ البداية.
وبالنسبة إلى السعودية، فإن المشاركة في «جي كاب» ستكون مختلفة عن مجرد شراء مقاتلات جاهزة، إذ يمكن أن تمنح الرياض فرصة للمشاركة في التطوير الصناعي والتقني والاستثمار في سلسلة الإنتاج، وهو ما يتماشى مع أهداف رؤية 2030 لتوطين جزء أكبر من الصناعات الدفاعية داخل المملكة.
ومؤخرا، جددت بريطانيا جهودها لإشراك الرياض في البرنامج، في الوقت الذي يسعى فيه الائتلاف إلى جذب استثمارات إضافية.
وبينما تواصل السعودية مساعيها للحصول على «إف-35»، يوفر برنامج «قآن» للمملكة مسارا آخر للوصول إلى تقنيات المقاتلات المتقدمة وتعزيز التصنيع المحلي، في ظل تصاعد المخاوف الأمنية الإقليمية المرتبطة بجماعة الحوثيين وإيران.