الذكاء الاصطناعي يدخل سباق التسلح.. الصين تطور منظومة لتخطيط العمليات الجوية

8 أغسطس 2026 14:17
صواريخ DF-17 فرط الصوت الصينية

جهاد علي

يشهد سباق التسلح العالمي تحولًا متسارعًا من التركيز على تطوير الأسلحة الأسرع والأكثر دقة إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات ودعم القرارات العسكرية، مع اتجاه الصين إلى دمج هذه التقنيات داخل منظوماتها الدفاعية والهجومية، بما قد يعيد رسم ملامح الحروب المستقبلية.

وأعلن الجيش الصيني تطوير نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتخطيط العمليات الجوية، يستطيع معالجة كميات ضخمة من البيانات وتقديم خيارات للضربات خلال فترة زمنية قصيرة، في خطوة تعكس توجه بكين نحو ما يُعرف بـ«الحرب الذكية».

وتتزامن هذه التطورات مع تحركات صينية مرتبطة بالصاروخ الفرط صوتي DF-17، الذي يتميز بقدرته على المناورة وتغيير مساره بصورة تجعل التنبؤ بمساره أكثر صعوبة أمام بعض أنظمة الدفاع الجوي التقليدية.

الذكاء الاصطناعي في قلب المنظومة العسكرية

ولا يعني إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المنظومات العسكرية بالضرورة وضع خوارزميات مستقلة داخل الصواريخ نفسها، وإنما يشمل بصورة أكبر أنظمة القيادة والسيطرة وجمع المعلومات وتحليلها ودعم عملية اتخاذ القرار.

وتعتمد هذه المنظومات على دمج البيانات القادمة من مصادر متعددة، بينها الأقمار الصناعية والرادارات وأجهزة الاستشعار والطائرات المسيّرة، ثم تحليلها بصورة متزامنة للوصول إلى صورة أكثر شمولًا عن الوضع الميداني.

وتمنح هذه القدرة الجيوش إمكانية تقليل الوقت الفاصل بين اكتشاف التهديد وتحليله والاستجابة له، وهو عامل بالغ الأهمية في بيئة قتالية تتحرك فيها الأهداف والأسلحة خلال ثوانٍ.

من حرب الأسلحة إلى حرب الخوارزميات

ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي عسكريًا، قد تتحول المنافسة بين القوى الكبرى تدريجيًا إلى سباق لتطوير خوارزميات أكثر سرعة ودقة وقدرة على التعامل مع البيانات المتغيرة.

وتدخل في هذا الإطار تقنيات التعلم الآلي والشبكات العصبية والأنظمة الوكيلة، التي يمكن أن تتولى مهام متخصصة مثل المراقبة وجمع المعلومات وتحليل البيانات وتقديم توصيات للقيادة العسكرية.

ويفتح هذا التطور الباب أمام نموذج عسكري يعتمد على مجموعة من الأنظمة الذكية التي تعمل بصورة متزامنة، قبل أن تقوم منظومة مركزية بدمج نتائجها وتقديم صورة متكاملة لصانع القرار.

هل يصل الذكاء الاصطناعي إلى قرار استخدام السلاح؟

يثير التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الجيوش تساؤلات متزايدة حول حدود استقلالية الأنظمة العسكرية، خصوصًا مع زيادة قدرتها على تحليل الموقف وتقديم خيارات عملياتية في وقت قياسي.

وتتعلق المخاوف الرئيسية بالجانب الأخلاقي المرتبط بدور الآلة في قرارات استخدام القوة، إلى جانب المخاطر الأمنية الناتجة عن احتمالات اختراق الأنظمة أو التلاعب بالبيانات التي تعتمد عليها الخوارزميات.

وفي الوقت الراهن، يظل القرار النهائي بشأن استخدام القوة من اختصاص البشر، بينما يتزايد دور الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات وتحليلها وتسريع عملية اتخاذ القرار.

الصين والولايات المتحدة في سباق جديد

ولا تأتي الخطوة الصينية بمعزل عن المنافسة التكنولوجية والعسكرية مع الولايات المتحدة، التي تعمل بدورها منذ سنوات على توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية.

وتشير التطورات في ساحات القتال الحديثة إلى تزايد استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل الصور والمعلومات، وتطوير الطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة، ودعم عمليات المراقبة والاستهداف.

وبالتالي، فإن تطوير الصين منظومة مخصصة لتخطيط العمليات الجوية يعكس توجهًا أوسع نحو بناء قوة عسكرية لا تعتمد فقط على امتلاك الطائرات والصواريخ، وإنما على القدرة على معالجة المعلومات واتخاذ القرار بسرعة تفوق قدرات الخصم.

هل تصبح الأسلحة التقليدية أقل أهمية؟

قد يؤدي هذا التحول إلى إعادة تعريف مفهوم التفوق العسكري، إذ لم يعد امتلاك عدد أكبر من الطائرات أو الصواريخ كافيًا وحده لضمان التفوق، إذا كان الخصم يمتلك منظومة قادرة على اكتشاف التهديد وتحليل نقاط ضعفه والاستجابة له بسرعة.

وفي المقابل، يصعب التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره سلاحًا تقليديًا يمكن تدميره، لأن الخوارزميات والبيانات يمكن توزيعها على عدد كبير من الأنظمة ومراكز المعالجة.

ومن ثم، قد يصبح التفوق في المستقبل مرتبطًا بامتلاك منظومة متكاملة تجمع بين الأقمار الصناعية والرادارات وأجهزة الاستشعار والاتصالات والحوسبة والذكاء الاصطناعي، وليس بمنصة قتالية واحدة فقط.

معركة جديدة.. تضليل الذكاء الاصطناعي

ويبرز تحد آخر أمام الجيوش التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، يتمثل في إمكانية تضليل الخوارزميات عبر التلاعب بالبيانات أو تقديم معلومات وأهداف وهمية.

ولهذا السبب تعتمد المنظومات المتقدمة على مصادر متعددة للمعلومات، بحيث لا يكون القرار مبنيًا على بيانات صادرة من جهاز واحد، وإنما على مقارنة وتحليل معلومات قادمة من الأقمار الصناعية والرادارات وأجهزة الاستشعار والطائرات المسيّرة.

لكن مع تطور هذه المنظومات، ستتطور أيضًا محاولات اختراقها أو تضليلها، ما يعني أن سباق التسلح لن يقتصر على بناء خوارزميات أكثر ذكاءً، بل سيمتد إلى تطوير وسائل قادرة على اكتشاف نقاط ضعف خوارزميات الخصم والتأثير في البيانات التي تعتمد عليها.

وبذلك، يبدو أن سباق التسلح العالمي يدخل مرحلة جديدة، يصبح فيها التفوق العسكري مرتبطًا ليس فقط بسرعة الصاروخ ومداه ودقته، وإنما بقدرة الدولة على جمع البيانات وتحليلها وتحويلها إلى قرارات أو خيارات عملياتية خلال ثوانٍ، لتصبح الخوارزميات نفسها أحد أهم ميادين الصراع في حروب المستقبل.

AL DEFAA AL ARABI

انضم إلى مجتمع الدفاع العربي

تابع أحدث الأخبار والتقارير والتحليلات عبر منصاتنا الرسمية.