شهدت الحرب الروسية الأوكرانية خلال الأسابيع الأخيرة تحولًا ملحوظًا في استخدام روسيا لصاروخ 3M22 زيركون (تسيركون)، بعدما انتقلت موسكو من تشغيله بشكل محدود إلى إدخاله بصورة متكررة ضمن موجات هجومية واسعة، في إطار استراتيجية تهدف إلى زيادة الضغط على منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية.
ووفقًا لتقارير عسكرية، أطلقت القوات الروسية ثمانية صواريخ من طراز زيركون في 2 يونيو، ثم أربعة صواريخ في 2 يوليو، قبل أن تعقبها بستة صواريخ أخرى في 6 يوليو، بالتزامن مع هجمات ضمت صواريخ إسكندر وصواريخ كروز ومئات الطائرات المسيّرة، في محاولة لإغراق الدفاعات الجوية الأوكرانية وإرباك قدرتها على التصدي للأهداف المتعددة.
وصُمم زيركون في الأساس ليكون صاروخًا فرط صوتيًا مضادًا للسفن، إلا أن روسيا وسعت استخدامه ليشمل ضرب أهداف برية، عبر إطلاقه من منصات باستيون الساحلية المتحركة.
وتؤكد موسكو أن الصاروخ قادر على بلوغ سرعة تصل إلى 9 ماخ مع مدى يتجاوز 1000 كيلومتر، بينما تشير تقديرات أوكرانية إلى أن سرعته الفعلية تتراوح بين 5.5 و7.5 ماخ قبل أن تتراجع خلال المرحلة النهائية من الطيران، وهي المرحلة التي تمنح أنظمة الدفاع الجوي فرصة محدودة جدًا لاعتراضه.
وتكمن أبرز ميزات الصاروخ في تقليص زمن الإنذار، إذ قد لا يتجاوز الوقت المتاح أمام الدفاعات الأوكرانية ثلاث دقائق إذا أُطلق من شبه جزيرة القرم باتجاه العاصمة كييف. كما أن إطلاقه من مواقع مختلفة، مثل القرم أو مقاطعة كورسك، يغيّر محاور الهجوم ويزيد من صعوبة توقع مساره، خاصة عند استخدامه ضمن رشقات مختلطة تضم صواريخ باليستية وصواريخ كروز وطائرات مسيّرة، ما يفرض ضغوطًا إضافية على منظومات باتريوت PAC-3 التي تمتلكها أوكرانيا.
وتشير تحليلات أوكرانية استندت إلى فحص حطام الصاروخ إلى أن رأسه الحربي يزن نحو 220 كيلوغرامًا، منها قرابة 80 كيلوغرامًا من المواد شديدة الانفجار. ورغم أن هذه الحمولة أقل من بعض الصواريخ الباليستية، فإن القوة التدميرية لـزيركون تعتمد بدرجة كبيرة على سرعته الهائلة والطاقة الحركية الناتجة عن الاصطدام، ما يجعله فعالًا في استهداف مراكز القيادة والسيطرة، والرادارات، ومستودعات الذخيرة، والمدارج العسكرية، والسفن الكبيرة.
ورغم تصنيف روسيا للصاروخ باعتباره صاروخ كروز فرط صوتي، فإن بعض الدراسات الحديثة المستندة إلى تحليل الحطام ووثائق تقنية روسية ترجح أنه يتبع مسارًا شبه باليستي ويعمل بمحرك يعمل بالوقود الصلب خلال مراحل من رحلته، وهو ما يجعل تصنيفه محل نقاش بين الخبراء. ومع ذلك، تتفق غالبية التقييمات على أنه يحلق على ارتفاعات عالية قبل أن ينقض بسرعة كبيرة مع قدرة على المناورة، الأمر الذي يزيد من صعوبة تعقبه واعتراضه.
وفيما يتعلق بقدرة الدفاعات الجوية على التصدي له، أعلنت أوكرانيا في وقت سابق اعتراض بعض صواريخ زيركون باستخدام منظومات باتريوت، لكنها لم تؤكد اعتراض الصواريخ التي استُخدمت في الهجمات الأخيرة خلال مطلع يوليو. ويرى مختصون أن اعتراض الصاروخ ممكن نظريًا خلال مرحلته النهائية، إلا أن قصر زمن الإنذار ونقص الصواريخ الاعتراضية يظلان من أبرز التحديات التي تواجه الدفاعات الجوية الأوكرانية.
ويرى مراقبون أن تصاعد وتيرة استخدام زيركون يعكس رغبة موسكو في رفع مستوى الضغط العسكري على أوكرانيا وحلفائها الغربيين من خلال توظيف أسلحة متطورة يصعب التعامل معها، مع الحفاظ في الوقت ذاته على جزء كبير من مخزون هذه الصواريخ بسبب ارتفاع تكلفة إنتاجها وأهميتها الاستراتيجية.
وبحسب تقديرات عسكرية، فإن زيركون لا يُعد سلاحًا قادرًا على حسم الحرب بمفرده، لكنه يمثل أداة فعالة لإرباك منظومات الدفاع الجوي، وتقليص زمن الاستجابة، وزيادة الضغط العملياتي على القوات الأوكرانية، في ظل استمرار الحرب كمعركة استنزاف تعتمد على حجم المخزونات العسكرية وقدرة كل طرف على تعويض خسائره.