تستعد الحكومة المصرية لإطلاق مرحلة جديدة من منظومة الدعم الاجتماعي، مع الاتجاه نحو تطبيق نظام الدعم النقدي اعتبارًا من بداية العام المالي 2026/2027 في الأول من يوليو المقبل، في خطوة تستهدف إعادة هيكلة واحدة من أكبر شبكات الحماية الاجتماعية التي يستفيد منها عشرات الملايين من المواطنين.
ويأتي هذا التوجه في إطار جهود الدولة لتطوير منظومة الدعم ورفع كفاءة الإنفاق العام، مع ضمان وصول المخصصات المالية إلى الفئات الأكثر احتياجًا، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية والمحلية وارتفاع تكاليف توفير السلع والخدمات المدعومة.
من الدعم العيني إلى الدعم النقدي
على مدار عقود، اعتمدت الدولة على منظومة الدعم العيني التي توفر للمواطنين السلع الأساسية بأسعار مدعومة من خلال بطاقات التموين، إلا أن هذه المنظومة واجهت العديد من التحديات المرتبطة بالتسرب وعدم وصول الدعم بصورة كاملة إلى مستحقيه.
وترى الحكومة أن التحول إلى نظام الدعم النقدي المشروط أو الدعم النقدي عبر البطاقات الذكية يمكن أن يسهم في معالجة العديد من أوجه القصور، من خلال منح المواطنين حرية أكبر في اختيار احتياجاتهم الفعلية بدلاً من التقيد بقائمة محددة من السلع.
الكارت الذكي بديل صرف الأموال النقدية
وبحسب التصورات المتداولة للمنظومة الجديدة، لن يتم صرف مبالغ نقدية مباشرة للمواطنين، وإنما سيتم تحميل قيمة الدعم على بطاقات ذكية تتيح للمستفيدين شراء احتياجاتهم من قائمة موسعة تضم نحو 30 سلعة أساسية.
ويمثل هذا التطور نقلة نوعية مقارنة بالنظام الحالي، حيث سيتمكن المواطن من اختيار السلع التي تناسب احتياجات أسرته وفقًا لأولوياته الفعلية، بدلًا من الاقتصار على عدد محدود من المنتجات التموينية.
كما تتضمن القائمة المقترحة سلعًا جديدة من بينها اللحوم والدواجن ومنتجات غذائية متنوعة، بما يمنح الأسر مرونة أكبر في إدارة إنفاقها الشهري.
قيمة الدعم المتوقعة للفرد والأسرة
تشير التقديرات الأولية المتداولة إلى أن قيمة الدعم الجديدة قد تتراوح بين 300 و350 جنيهًا للفرد شهريًا.
وبناءً على هذه الأرقام، فإن الأسرة المكونة من أربعة أفراد قد تحصل على دعم شهري يتراوح بين 1200 و1400 جنيه، وهو ما يمثل زيادة ملحوظة مقارنة ببعض صور الدعم الحالية.
ويستفيد من منظومة الدعم التمويني الحالية نحو 68 مليون مواطن، ما يجعل عملية التحول واحدة من أكبر عمليات إعادة الهيكلة الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها مصر خلال السنوات الأخيرة.
مراجعة شاملة لقواعد البيانات
بالتزامن مع الاستعداد لتطبيق النظام الجديد، تعمل الجهات المعنية على تنفيذ مراجعة دقيقة وشاملة لقواعد بيانات المستفيدين من الدعم.
وتهدف هذه المراجعات إلى تنقية البطاقات التموينية والتأكد من وصول الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا، وفقًا لمعايير اقتصادية واجتماعية أكثر دقة.
وتشير تقديرات أولية إلى إمكانية خروج ما بين 10 و12 مليون مواطن من المنظومة بعد استكمال عمليات الفحص والتدقيق، ليقتصر عدد المستفيدين على نحو 58 مليون مواطن.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة استمرار فتح باب التظلمات أمام المواطنين الذين يرون أنهم يستحقون الحصول على الدعم، لضمان عدم استبعاد أي حالات مستحقة بصورة غير عادلة.
أربع شرائح لتحديد الاستحقاق
من أبرز ملامح النظام الجديد تقسيم المستفيدين إلى أربع شرائح مختلفة وفقًا لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي.
ووفقًا لهذا التصنيف، تحصل الفئات الأكثر احتياجًا على النسبة الأكبر من الدعم، بينما تضم الشرائح الأخرى المستفيدين بدرجات متفاوتة حتى الوصول إلى الفئة القابلة للخروج من المنظومة حال تحسن أوضاعها الاقتصادية.
ويهدف هذا التصنيف إلى تحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية، من خلال توجيه الموارد المالية إلى الفئات الأولى بالرعاية بدلاً من تطبيق نظام موحد على جميع المواطنين.
كما يتيح النظام الجديد مرونة مستمرة تسمح بإضافة أسر جديدة مستحقة أو استبعاد غير المستحقين وفقًا للتغيرات الاقتصادية التي تطرأ على أوضاع الأسر.
باقات سلعية متنوعة ومراعاة التضخم
وتدرس الحكومة أيضًا توفير عدد من الباقات السلعية المختلفة التي يمكن للمواطن الاختيار من بينها وفقًا لاحتياجات أسرته.
وتشبه هذه الفكرة إلى حد كبير “شنط السلع” التي يتم توفيرها خلال المناسبات المختلفة، مع توسيع نطاق الخيارات المتاحة للمواطنين.
كما تضع الدولة في اعتبارها ضرورة مراجعة قيمة الدعم بصورة دورية لمواكبة معدلات التضخم والتغيرات المستمرة في الأسعار، حتى لا تتآكل القيمة الحقيقية للدعم بمرور الوقت.
ويرى خبراء الاقتصاد أن هذه النقطة تمثل أحد أهم عوامل نجاح المنظومة الجديدة، خاصة في ظل استمرار الضغوط التضخمية التي تؤثر على القدرة الشرائية للأسر.
الحكومة: الهدف رفع الكفاءة وليس تقليل الدعم
أكد رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي أن الحكومة لا تستهدف خفض قيمة الدعم أو تقليص المخصصات المالية الموجهة للمواطنين من خلال التحول إلى الدعم النقدي.
وأوضح أن الهدف الرئيسي يتمثل في زيادة كفاءة الإنفاق العام وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، مع تقليل نسب الهدر الموجودة في بعض المنظومات الحالية.
وأشار إلى أن بعض برامج الدعم، وعلى رأسها دعم الخبز، تعاني من نسب عدم كفاءة تصل إلى نحو 25%، وهو ما يستدعي تطوير آليات الصرف والتوزيع بما يحقق الاستفادة القصوى من الموارد المتاحة.
وشدد على أن الدولة ملتزمة بالحفاظ على البعد الاجتماعي وتقديم الحماية اللازمة للفئات الأكثر احتياجًا.
خبراء: نجاح التجربة مرهون بالتحديث المستمر
من جانبها، أكدت الدكتورة هدى الملاح، مدير عام المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية، أن الدعم النقدي يمنح الأسر مرونة أكبر في توجيه الإنفاق وفقًا لأولوياتها الفعلية، سواء كانت مرتبطة بالغذاء أو التعليم أو الرعاية الصحية.
وأوضحت أن نجاح التجربة يتطلب مراجعة دورية لقيمة الدعم لمواكبة ارتفاع الأسعار ومعدلات التضخم، مشيرة إلى أن تثبيت قيمة الدعم لفترات طويلة قد يؤدي إلى تراجع تأثيره الاجتماعي.
وأضافت أن بعض الفئات، خاصة كبار السن والأسر التي تعتمد بصورة كبيرة على السلع المدعومة، قد تحتاج إلى برامج توعية ودعم إضافية لمساعدتها على التكيف مع النظام الجديد.
كما شددت على أهمية استمرار الرقابة على الأسواق لمنع أي ممارسات احتكارية قد تؤثر على القدرة الشرائية للمستفيدين من الدعم النقدي.
تحديات وفرص
رغم المزايا المتوقعة للنظام الجديد، فإن تطبيقه يواجه عددًا من التحديات، أبرزها ضمان تحديث قواعد البيانات بصورة مستمرة، ومراقبة الأسواق، والحفاظ على القيمة الحقيقية للدعم في مواجهة التضخم.
في المقابل، يوفر الدعم النقدي فرصًا كبيرة لتحسين كفاءة منظومة الحماية الاجتماعية، وتقليل الهدر، ومنح المواطنين حرية أكبر في اختيار احتياجاتهم، بما يتماشى مع توجهات الإصلاح الاقتصادي التي تتبناها الدولة.
ومع اقتراب موعد التطبيق، تترقب ملايين الأسر المصرية الإعلان الرسمي عن تفاصيل المنظومة الجديدة وآليات تنفيذها، في انتظار تجربة تراهن عليها الحكومة لتحقيق عدالة أكبر في توزيع الدعم وتعزيز كفاءة برامج الحماية الاجتماعية خلال السنوات المقبلة.