لم تعد تقنيات الذكاء الاصطناعي تقتصر على تحليل البيانات الطبية والفحوصات المعملية، إذ يتجه الباحثون إلى اختبار قدرتها على استخلاص مؤشرات صحية من ملامح الوجه، في تطور يثير تساؤلات حول مستقبل التشخيص الطبي وحدود الاعتماد على التكنولوجيا. ومن بين هذه المحاولات نموذج بحثي يستطيع تقدير العمر البيولوجي والتنبؤ بفرص البقاء على قيد الحياة لدى مرضى السرطان اعتمادًا على صور الوجه، لكن خبراء يحذرون من اعتبار نتائجه تشخيصًا نهائيًا أو بديلًا عن التقييم الطبي المتخصص.
كيف تعمل تقنية الذكاء الاصطناعي لتحليل الوجه؟
طور فريق من الباحثين في مستشفى ماساتشوستس العام بريجهام نظامًا للذكاء الاصطناعي يحمل اسم FAHR-Face، ودُرّب على تحليل أكثر من 40 مليون وجه بشري، بهدف رصد سمات مرتبطة بالعمر البيولوجي والحالة الصحية.
ويتكون النظام من جزأين رئيسيين؛ الأول يقدّر العمر البيولوجي اعتمادًا على ملامح الوجه، من بينها الجبهة والصدغان والتجاعيد الممتدة بين الأنف والفم، بينما يركز الجزء الثاني على التنبؤ بفرص البقاء على قيد الحياة لدى مرضى السرطان، بعد تدريبه على نحو 35 ألف صورة للمرضى، مع الاهتمام بملامح المنطقة المحيطة بالعينين وجسر الأنف.
وبحسب الدراسة المنشورة في مجلة «ذا لانسيت ديجيتال هيلث»، أوضح الدكتور ريموند ماك، أحد مؤلفيها، أن بعض السمات التي يحللها النظام، مثل الأنف الحاد والعينين الغائرتين وتدلي الصدغين، ارتبطت تاريخيًا بملاحظات طبية عن تدهور الحالة الصحية. وتعود بعض هذه الملاحظات إلى أبقراط في القرن الخامس قبل الميلاد، حين استخدم مظهر الوجه ضمن المؤشرات التي يستدل بها على شدة المرض.
وأظهرت نتائج الدراسة وجود ارتباط بين تقديرات النموذج ومعدلات البقاء على قيد الحياة لدى المرضى في 18 نوعًا من أصل 28 نوعًا من السرطان، وهو ما دفع الباحثين إلى بحث إمكانية الاستفادة من تحليل الوجه بوصفه أداة مساعدة في تقييم المخاطر الصحية.
دقة التنبؤ تختلف باختلاف أنواع السرطان
رغم النتائج التي توصل إليها الباحثون، فإنها لا تعني أن تحليل صورة الوجه يمكنه تحديد فرص النجاة بدقة لدى جميع المرضى. فبحسب ما أوردته صحيفة «الجارديان» البريطانية، تختلف فعالية النموذج من نوع إلى آخر من السرطان، ولم تظهر الاختبارات النتائج نفسها في جميع الحالات.
كما تبرز الحاجة إلى إجراء مقارنات أكثر شمولًا بين توقعات النظام والتقييمات التي يقدمها الأطباء المتخصصون، للتأكد من مدى دقته وقدرته على تقديم معلومات إضافية يمكن الاعتماد عليها في اتخاذ القرارات العلاجية.
وتظل العلاقة بين ملامح الوجه والحالة الصحية معقدة؛ إذ قد تتأثر السمات الظاهرة بعوامل متعددة لا ترتبط بالسرطان وحده، ما يجعل استخدام صورة منفردة أساسًا لتقدير فرص البقاء على قيد الحياة أمرًا يحتاج إلى أدلة سريرية إضافية.
التحيز العرقي يثير تساؤلات حول موثوقية النتائج
من أبرز التحديات التي كشفت عنها الاختبارات عدم ظهور ارتباط قوي بين قياسات العمر المستنتج من الوجه ومعدلات البقاء على قيد الحياة لدى المرضى السود، وهو ما يثير مخاوف بشأن احتمال تأثر النتائج بتركيبة البيانات التي دُرّبت عليها النماذج.
وتؤكد هذه الملاحظة أهمية اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي على مجموعات سكانية متنوعة، والتحقق من أدائها لدى مختلف الفئات العرقية، قبل اعتمادها في التطبيقات الطبية. فنجاح النموذج مع مجموعة من المرضى لا يضمن بالضرورة تحقيق مستوى الدقة نفسه لدى مجموعات أخرى.
هل تصبح صور السيلفي أداة للتنبؤ بالمرض؟
إلى جانب التحديات الطبية، تتأثر دقة صور الوجه بعوامل عملية، من بينها الإضاءة وزاوية التصوير وتعبيرات الوجه، وهي اختلافات قد تؤثر في السمات التي يعتمد عليها النظام في التحليل.
كما أن إجراءات التجميل، مثل حقن البوتوكس وعمليات شد الوجه، إلى جانب التغيرات في توزيع الدهون بالوجه الناتجة عن استخدام بعض أدوية إنقاص الوزن، قد تغير الملامح الظاهرة، ما يزيد صعوبة الاعتماد على صورة واحدة لتقييم الحالة الصحية.
أداة مساعدة وليست بديلًا عن الطبيب
في ضوء هذه التحديات، لا ينبغي التعامل مع تقنية FAHR-Face باعتبارها وسيلة مستقلة لتشخيص السرطان أو تحديد فرص النجاة منه. فلا تزال النتائج البحثية بحاجة إلى مزيد من التحقق، من خلال دراسات سريرية واسعة النطاق واختبارات تؤكد دقة التنبؤ وقابليته للتطبيق على فئات مختلفة من المرضى.
وقد تتيح هذه التقنيات مستقبلًا وسيلة إضافية لمساعدة الأطباء على تقييم المخاطر الصحية، لكن استخدامها في الممارسة اليومية يظل مرهونًا بإثبات فعاليتها وسلامة نتائجها. وحتى ذلك الحين، تبقى صور السيلفي وسيلة لا تكفي وحدها لتقييم الحالة الصحية أو اتخاذ قرارات علاجية، فيما يظل التشخيص والمتابعة الطبية المتخصصة أساس التعامل مع مرضى السرطان.