كتب: غادة محمود
جهاد علي
أثار مقطع فيديو متداول على منصات متخصصة في الشؤون الدفاعية والعسكرية حالة واسعة من الجدل خلال الساعات الماضية، بعد مزاعم تحدثت عن بدء روسيا تزويد سوريا بمقاتلات حربية من طراز “ميغ-29”، في خطوة قيل إنها تأتي ضمن جهود موسكو لإعادة بناء القدرات الجوية للجيش السوري بعد سنوات من الاستنزاف العسكري والخسائر الكبيرة التي تعرض لها سلاح الجو السوري.
وتصدّر الفيديو المتداول النقاشات على منصات التحليل العسكري، خاصة بعد نشره عبر حسابات متخصصة أبرزها “كلاش ريبورت” (Clash Report)، التي أشارت إلى رصد مقاتلتين من طراز “ميغ-29” تنفذان طلعات جوية انطلاقًا من قاعدة حميميم الجوية الروسية في الساحل السوري.
وربطت بعض التحليلات بين هذا التحرك المزعوم وبين التغيرات الإقليمية المتسارعة في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى محاولات روسيا الحفاظ على نفوذها العسكري داخل سوريا رغم الانشغال الكبير بالحرب في أوكرانيا والتحديات الاقتصادية والعسكرية التي تواجه موسكو خلال المرحلة الحالية.
تشكيك واسع في صحة الفيديو المتداول
ورغم الانتشار الواسع للمقطع المصور، سارعت مصادر دفاعية ومتابعون للشأن العسكري إلى التشكيك في صحة الادعاءات المتداولة، مؤكدين أن الفيديو ليس حديثًا كما يتم الترويج له، بل يعود إلى لقطات قديمة جرى إعادة نشرها مجددًا على أنها توثق تطورات عسكرية جديدة داخل سوريا.
وأكدت تقارير تحليلية أن المقطع المتداول لا يقدم أي دليل واضح على بدء تشغيل مقاتلات “ميغ-29” جديدة ضمن القوات الجوية السورية، كما لا توجد صور حديثة أو بيانات رسمية صادرة عن موسكو أو دمشق تؤكد تنفيذ عمليات تسليم فعلية لطائرات مقاتلة جديدة.
ويرى خبراء عسكريون أن إعادة تدوير المقاطع القديمة أصبحت ظاهرة متكررة خلال النزاعات المسلحة، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على منصات التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار العسكرية العاجلة، وهو ما يؤدي أحيانًا إلى انتشار معلومات غير دقيقة أو مضللة.
خسائر كبيرة لسلاح الجو السوري
وتشير تقديرات عسكرية إلى أن القوات الجوية السورية تعرضت خلال السنوات الماضية لخسائر ضخمة أثرت بشكل مباشر على جاهزيتها القتالية، سواء نتيجة الحرب الداخلية الممتدة منذ عام 2011 أو بسبب الضربات الجوية الإسرائيلية المتكررة التي استهدفت قواعد عسكرية ومطارات ومنظومات دفاع جوي داخل الأراضي السورية.
وبحسب تقارير متخصصة، فإن الغارات الإسرائيلية الأخيرة أدت إلى تدمير جزء كبير من الطائرات السورية المتبقية، خاصة الطائرات القديمة التي كانت متوقفة داخل القواعد الجوية دون قدرة تشغيلية كاملة.
كما استهدفت الضربات الإسرائيلية مرارًا مواقع عسكرية مرتبطة بإيران والجماعات الحليفة لها داخل سوريا، وهو ما تسبب في أضرار واسعة بالبنية التحتية العسكرية السورية، بما في ذلك أنظمة الرادار والدفاع الجوي ومخازن الأسلحة.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات قلصت بصورة كبيرة قدرة دمشق على إعادة بناء قوتها الجوية بشكل سريع، خصوصًا في ظل العقوبات الاقتصادية الغربية ونقص التمويل والتحديات التقنية المتعلقة بصيانة الطائرات القديمة.
ما أهمية مقاتلات “ميغ-29” بالنسبة لسوريا؟
تُعد مقاتلات “ميغ-29” من أبرز الطائرات الحربية التي طورتها روسيا خلال الحقبة السوفيتية، وقد صُممت أساسًا لتحقيق التفوق الجوي ومواجهة المقاتلات الغربية الحديثة.
وتمتلك هذه الطائرات قدرات عالية على المناورة والاشتباك الجوي، كما خضعت خلال السنوات الماضية لعمليات تطوير متعددة شملت أنظمة الرادار والتسليح والإلكترونيات القتالية.
وكانت سوريا قد حصلت سابقًا على عدد من مقاتلات “ميغ-29” ضمن صفقات تسليح مع الاتحاد السوفيتي ثم روسيا، لكنها واجهت صعوبات كبيرة في الحفاظ على جاهزية الأسطول بسبب الحرب والعقوبات ونقص قطع الغيار.
ويرى خبراء أن أي خطوة روسية فعلية لتزويد دمشق بمقاتلات جديدة ستشكل تطورًا عسكريًا مهمًا، خاصة إذا ارتبطت ببرامج تحديث واسعة لأنظمة الدفاع الجوي والتدريب والدعم اللوجستي.
لكن في المقابل، يشير محللون إلى أن إعادة تأهيل سلاح الجو السوري تتطلب استثمارات ضخمة وبنية تحتية متطورة لا تبدو متاحة بالكامل في الوقت الحالي.
قاعدة حميميم ودورها العسكري
تلعب قاعدة حميميم الجوية الواقعة في محافظة اللاذقية دورًا محوريًا في الوجود العسكري الروسي داخل سوريا منذ تدخل موسكو العسكري عام 2015.
وتضم القاعدة عددًا كبيرًا من الطائرات المقاتلة والمروحيات ومنظومات الدفاع الجوي الروسية، كما تُستخدم مركزًا رئيسيًا للعمليات الجوية الروسية في المنطقة.
وخلال السنوات الماضية، ساهمت قاعدة حميميم في تنفيذ آلاف الطلعات الجوية لدعم الجيش السوري، إضافة إلى كونها مركزًا لوجستيًا واستراتيجيًا مهمًا يعزز النفوذ الروسي في شرق المتوسط.
وتشير بعض التحليلات إلى أن أي عملية لنقل أو تشغيل مقاتلات جديدة داخل سوريا ستكون مرتبطة بشكل مباشر بقاعدة حميميم، نظرًا لقدراتها الفنية والتقنية الكبيرة مقارنة بالقواعد الجوية السورية الأخرى.
هل تعيد روسيا بناء سلاح الجو السوري؟
منذ سنوات، تتحدث تقارير عسكرية عن وجود خطط روسية لإعادة هيكلة بعض وحدات الجيش السوري، بما في ذلك القوات الجوية والدفاع الجوي، بهدف تعزيز الاستقرار العسكري وإعادة تأهيل القدرات القتالية للدولة السورية.
لكن تنفيذ هذه الخطط يواجه تحديات كبيرة، أبرزها الوضع الاقتصادي السوري المتدهور، واستمرار التوترات الأمنية، إضافة إلى العقوبات الغربية المفروضة على دمشق وموسكو.
كما أن الحرب في أوكرانيا فرضت ضغوطًا إضافية على الصناعات العسكرية الروسية، ما قد يحد من قدرة موسكو على تصدير كميات كبيرة من المعدات العسكرية المتطورة خلال المرحلة الحالية.
ورغم ذلك، لا تستبعد بعض التحليلات أن تقدم روسيا دعمًا تدريجيًا لسوريا في مجالات التدريب والصيانة وإعادة تشغيل بعض الطائرات القديمة، دون الوصول إلى مستوى إعادة بناء شاملة لسلاح الجو السوري في المدى القريب.
تشغيل محدود للمروحيات العسكرية
وفي المقابل، تؤكد تقارير ميدانية أن الحكومة السورية بدأت بالفعل خلال الفترة الأخيرة في إعادة تشغيل عدد محدود من المروحيات العسكرية، ضمن محاولات تدريجية لاستعادة بعض القدرات الجوية.
وتُستخدم هذه المروحيات بشكل أساسي في مهام النقل والإمداد والمراقبة وبعض العمليات الأمنية المحدودة، إلا أن ذلك لا يعني امتلاك دمشق قوة جوية متكاملة قادرة على فرض سيطرة واسعة على المجال الجوي السوري.
كما لا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة على دخول مقاتلات حديثة جديدة إلى الخدمة العملياتية بشكل فعلي، سواء من طراز “ميغ-29” أو غيرها.
تصاعد الحرب الإعلامية والمعلومات المضللة
تعكس قضية الفيديو المتداول حجم الحرب الإعلامية والمعلوماتية المرتبطة بالملفات العسكرية في الشرق الأوسط، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة رئيسية لنشر الأخبار والتحليلات العسكرية، سواء الصحيحة أو المضللة.
ويؤكد متخصصون في تحليل المصادر المفتوحة أن التحقق من المقاطع العسكرية يتطلب مراجعة دقيقة للتوقيت والموقع والبيانات التقنية المصاحبة، خاصة مع انتشار تقنيات إعادة النشر والتلاعب بالمحتوى.
كما تلعب الحسابات العسكرية المتخصصة دورًا كبيرًا في تشكيل الرأي العام بشأن التطورات الميدانية، وهو ما يزيد من أهمية التدقيق في المعلومات قبل اعتمادها أو تداولها على نطاق واسع.
مستقبل القوة الجوية السورية
في ظل المعطيات الحالية، يبدو أن إعادة بناء سلاح الجو السوري ستكون عملية طويلة ومعقدة، تعتمد على عوامل سياسية وعسكرية واقتصادية متعددة.
ورغم استمرار الدعم الروسي لدمشق، فإن التحديات الميدانية والاقتصادية تجعل من الصعب الحديث عن عودة سريعة للقوات الجوية السورية إلى مستوياتها السابقة.
كما أن استمرار الضربات الإسرائيلية والتوترات الإقليمية سيظل عاملًا مؤثرًا في أي محاولات لإعادة تأهيل البنية العسكرية السورية خلال السنوات المقبلة.
ومع استمرار تداول التقارير والمقاطع غير المؤكدة، تبقى حقيقة تزويد سوريا بمقاتلات “ميغ-29” جديدة غير محسومة حتى الآن، في انتظار أي إعلان رسمي أو أدلة موثوقة تؤكد حدوث هذا التطور العسكري بالفعل.