تاريخ المجتمعات مليء بصور القائد الملهم أو الشخصية التي يُنظر إليها باعتبارها قادرة على حل المشكلات وحدها. هذه الفكرة جذابة لأنها تختصر التعقيد في شخص واحد: إذا ظهر البطل المناسب، ستتحسن الأمور. لكن الدول الحديثة أكثر تعقيدًا من أن يحملها فرد مهما كانت قدراته.
الاعتماد المفرط على الفرد يخلق مشكلة مزدوجة. أولًا، يرفع التوقعات إلى مستوى غير واقعي، وثانيًا، يضعف المؤسسات لأن الناس تبدأ في انتظار القرار من الأعلى بدل بناء نظم قادرة على العمل باستمرار.
الشخص القوي قد يحقق إنجازات، لكن السؤال الأهم: هل تبقى هذه الإنجازات بعد رحيله؟ إذا كان كل شيء مرتبطًا بوجوده، فالمشكلة لم تُحل بل تأجلت.
المؤسسات الجيدة لا تلغي دور القيادة. بالعكس، القائد الناجح هو الذي يجعل المؤسسة أقل اعتمادًا عليه مع مرور الوقت. يبني قواعد، ويطور كوادر، ويضع آليات للمراجعة واتخاذ القرار.
ثقافة البطل الدائم قد تجعل المجتمع يبحث عن شخص ينقذه بدل أن يسأل عن النظام الذي يسمح للمشكلات بالاستمرار. وهنا يصبح التركيز على الأفراد وسيلة للهروب من الأسئلة الأصعب حول التعليم والإدارة والقانون والاقتصاد.
في السياسة، الشخصنة تجعل كل نجاح منسوبًا إلى فرد، وكل فشل معركة حول الفرد نفسه. بينما الواقع أن القرارات العامة تصنعها شبكات من المؤسسات والخبراء والموظفين والقواعد.
كذلك، البطل الذي لا يجد مؤسسات قوية حوله يصبح عرضة للعزلة وسوء المعلومات. كلما تركزت القرارات في شخص واحد، زاد خطر أن تصل إليه صورة ناقصة أو مزينة.
المجتمعات تحتاج إلى قادة أكفاء، لكنها تحتاج أكثر إلى نظم لا تنهار بتغير القادة.
السؤال الصحيح ليس: من هو الشخص الذي سيحل كل شيء؟ بل: كيف نبني مؤسسة تجعل العمل الجيد ممكنًا حتى مع اختلاف الأشخاص؟
ربما نحتاج في أوقات الأزمات إلى قيادة قوية وواضحة، لكن القوة الحقيقية تظهر عندما تتحول هذه القيادة إلى مؤسسات تعمل بالقواعد لا بالأشخاص.
البطل الحقيقي في الدولة الحديثة قد لا يكون فردًا أصلًا، بل نظامًا قادرًا على التعلم والاستمرار وتصحيح نفسه.
ومن المهم هنا أن نحافظ على الفرق بين الموقف السياسي والحكم على الأشخاص. يمكن رفض فكرة بقوة من دون تحويل صاحبها إلى عدو، كما يمكن الدفاع عن مؤسسة مع الاعتراف بأنها قابلة للخطأ. هذا الفصل هو ما يجعل النقاش السياسي مفيدًا بدل أن يتحول إلى استقطاب دائم.
وفي النهاية، الوعي السياسي لا يطلب من الناس الاتفاق، بل يطلب أن يعرف كل طرف لماذا يتبنى موقفه، وأن يكون مستعدًا لمراجعته إذا تغيرت الوقائع. الدولة والمجتمع يستفيدان من النقد الموثق والسؤال الجاد أكثر مما يستفيدان من الصمت أو الضجيج.
ومن المهم هنا أن نحافظ على الفرق بين الموقف السياسي والحكم على الأشخاص. يمكن رفض فكرة بقوة من دون تحويل صاحبها إلى عدو، كما يمكن الدفاع عن مؤسسة مع الاعتراف بأنها قابلة للخطأ. هذا الفصل هو ما يجعل النقاش السياسي مفيدًا بدل أن يتحول إلى استقطاب دائم.