كتب: شادي عبد الحميد
جهاد علي
تلقي تداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط بظلالها على الاقتصاد التركي، حيث تواجه أنقرة ضغوطًا متزايدة نتيجة الارتفاع العالمي في أسعار الطاقة، في وقت تسعى فيه لتفادي أزمة وقود داخلية، بالتوازي مع خطط طموحة للتحول إلى مركز عالمي لنقل الطاقة كبديل استراتيجي عن مضيق هرمز.
زيادات متتالية في أسعار الوقود
شهدت تركيا خلال الأسبوع الجاري زيادات جديدة وملحوظة في أسعار البنزين والديزل، متأثرة بارتفاع أسعار النفط ومشتقاته عالميًا، في ظل اعتماد البلاد بشكل كبير على استيراد الطاقة.
كما تستعد الحكومة لرفع أسعار الكهرباء والغاز الطبيعي خلال الفترة المقبلة، وهو ما سيؤدي إلى زيادة الأعباء على الأسر، خاصة مع استمرار معدلات التضخم عند مستويات مرتفعة تقارب 30%.
تداعيات اقتصادية واسعة
تمثل الزيادة في أسعار الطاقة أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد التركي، حيث تنعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل والتخزين، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات في مختلف القطاعات.
وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه الحكومة لخفض معدلات التضخم إلى أقل من 10% قبل عام 2028، وهو عام يشهد استحقاقات انتخابية مهمة.
الحرب تعيد تشكيل خريطة الطاقة
في ظل استمرار التوترات المرتبطة بالحرب في المنطقة، تنظر أنقرة إلى الأزمة من زاوية استراتيجية، إذ تسعى لاستغلال التغيرات الجيوسياسية لتعزيز موقعها كممر رئيسي للطاقة.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة مع احتمالات تأثر الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله نحو 20% من صادرات الطاقة العالمية.
مشروع طموح لنقل الطاقة
تعمل تركيا على تطوير مشروع لنقل النفط والغاز من جنوب العراق إلى أراضيها، ليكون امتدادًا لمشروع “طريق التنمية” الذي يربط بين البلدين، مع إضافة خطوط أنابيب لنقل الطاقة.
ويهدف هذا المشروع إلى تحويل المسار البري إلى ممر طاقة آمن يمكن أن يشكل بديلًا استراتيجيًا لمضيق هرمز، بما يعزز من دور تركيا كمركز إقليمي لنقل الطاقة إلى أوروبا.
مكاسب محتملة وتحديات قائمة
تشير تقديرات إلى أن المشروع قد يتيح نقل نحو 8 ملايين برميل نفط يوميًا، مع إمكانية زيادة الكميات مستقبلًا، ما يوفر فرصًا اقتصادية كبيرة لتركيا والدول المصدرة.
لكن في المقابل، يواجه المشروع تحديات تتعلق بالأمن والتمويل والاستقرار الإقليمي، خاصة في العراق، حيث يُعد تأمين مسارات النقل وضمان الاستقرار السياسي عاملين حاسمين لنجاحه.
اعتماد واسع على الاستيراد
تعتمد تركيا على استيراد أكثر من 360 مليون برميل نفط سنويًا، إلى جانب نحو 60 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، بتكلفة تتجاوز 55 مليار دولار.
وتتبنى أنقرة استراتيجية تنويع مصادر الطاقة، حيث تستورد النفط من دول عدة، من بينها روسيا والعراق وليبيا، بينما تحصل على الغاز عبر خطوط أنابيب من روسيا وإيران وأذربيجان، إضافة إلى الغاز المسال من دول مثل الولايات المتحدة وقطر والجزائر.
بين الأزمة والفرصة
رغم الضغوط الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة، تسعى تركيا إلى تحويل الأزمة إلى فرصة استراتيجية، عبر تعزيز موقعها في سوق الطاقة العالمي.
وبين تحديات الداخل وطموحات التحول إلى مركز إقليمي، تبقى قدرة أنقرة على تحقيق هذا التوازن مرهونة بتطورات الأوضاع الإقليمية، ومدى نجاحها في تنفيذ مشروعات البنية التحتية للطاقة.