مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وزيادة الطلب على العملة الأجنبية، تتجدد التساؤلات بشأن اتجاه سعر الدولار خلال الفترة المقبلة، ومدى واقعية التوقعات المتداولة بوصوله إلى 60 أو 70 جنيهًا، في ظل الضغوط التي تواجه سوق الصرف وانعكاساتها المحتملة على أسعار السلع وتكاليف المعيشة.
وأكد مدحت الشريف، استشاري الاقتصاد السياسي وسياسات الأمن القومي، أن التعامل مع أزمة الدولار يتطلب معالجة الأسباب التي تضغط على سوق الصرف، بدلًا من التركيز على التوقعات السعرية، مشيرًا إلى أن التوترات الجيوسياسية، والتزامات الدين الخارجي، وزيادة طلب المستوردين على العملة الأجنبية، من أبرز العوامل المؤثرة في السوق.
التوترات الجيوسياسية والتزامات الدين تضغط على الدولار
وأوضح الشريف أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة ترفع مستويات المخاطر، وقد تدفع بعض المتعاملين إلى اتخاذ قرارات احترازية تؤثر على حركة الأموال والطلب على العملات الأجنبية.
وأضاف أن ارتفاع التزامات الدين العام وخدمة الدين المستحقة على الدولة حتى نهاية العام المالي المقبل في يوليو 2027 يزيد الحاجة إلى تدبير العملة الأجنبية للوفاء بهذه الالتزامات في مواعيدها، وهو ما يرفع الطلب على الدولار مقارنة بالمعروض المتاح.
وأشار إلى أن عددًا من المستوردين يتجه إلى تكثيف عمليات الاستيراد، سواء لمستلزمات الإنتاج المستخدمة في المصانع المصرية أو للسلع تامة الصنع، تحسبًا لاحتمالات اضطراب سلاسل الإمداد في ظل التطورات الجيوسياسية والمخاوف من اندلاع حرب خلال المرحلة المقبلة.
ولفت إلى أن التوسع في الاستيراد يزيد الضغوط على سوق الصرف، معتبرًا أن ضخ المزيد من الاحتياطيات النقدية لدى البنك المركزي في السوق ليس الخيار المفضل حاليًا، في ضوء طبيعة مكونات الاحتياطي وما يتضمنه من أصول والتزامات مختلفة، من بينها الذهب.
ترشيد الاستيراد لتخفيف الضغط على الجنيه
وشدد الشريف على ضرورة التحرك العاجل لترشيد استيراد السلع تامة الصنع التي تتوافر لها بدائل محلية قادرة على تلبية احتياجات السوق المصرية، مؤكدًا أن استمرار استيراد هذه المنتجات رغم توافر بدائل محلية كافية يستنزف موارد الدولة من العملة الأجنبية.
وأوضح أن ارتفاع عجز الميزان التجاري يفرض التحرك للحد من الواردات التي يمكن الاستغناء عنها، مع مراعاة احتياجات القطاعات الإنتاجية التي تعتمد على استيراد الخامات ومستلزمات التشغيل الضرورية للصناعة.
وأشار إلى أن صندوق النقد الدولي كان يشترط عدم تقييد الاستيراد ضمن برنامجه مع مصر، معربًا عن أمله في انتهاء التعامل مع الصندوق بحلول نوفمبر أو نهاية العام الجاري، ومحذرًا من الاستجابة لشروط إضافية قد تفرضها المؤسسة الدولية، وفق تقديره.
وأكد أن ترشيد الاستيراد يجب أن يستند إلى تحديد الأولويات، بما يحافظ على تدفق مستلزمات الإنتاج والسلع الأساسية، ويحد في الوقت نفسه من استيراد المنتجات التي يمكن تصنيعها محليًا.
تعميق الصناعة وتقليل الاعتماد على الواردات
واعتبر الشريف أن تعميق الصناعة المحلية يمثل أحد المسارات الرئيسية للتعامل مع أزمة الدولار، من خلال زيادة نسبة المكون المحلي في المنتجات المصرية، وتقليل الاعتماد على الخامات ومستلزمات الإنتاج المستوردة.
وأوضح أن هذا التوجه يُطرح منذ سنوات، لكنه يحتاج إلى قرارات تنفيذية سريعة ونتائج ملموسة على أرض الواقع، بدلًا من تكرار التصريحات بشأن دعم الصناعة مع كل تغيير في قيادة وزارة الصناعة.
وأضاف أن زيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي من شأنها تقليل الاحتياجات التمويلية بالعملة الأجنبية، والحد من الضغوط الناتجة عن استيراد منتجات يمكن تصنيعها داخل مصر.
ولفت إلى أهمية توفير أوعية ادخارية جاذبة للمصريين بالخارج، بما يشجعهم على توجيه مدخراتهم واستثماراتهم إلى السوق المحلية، خاصة إذا كانت العوائد المقدمة عليها تنافسية.
تحذيرات من توقعات الدولار وشائعات التعويم
وحذر الشريف من تداول توقعات غير مستندة إلى أسس واضحة بشأن وصول الدولار إلى مستويات مثل 60 أو 70 جنيهًا، أو الحديث عن تعويم جديد للجنيه، معتبرًا أن مثل هذه التصريحات قد تؤدي إلى نتائج عكسية تزيد من الضغوط على سوق الصرف.
وأوضح أن تداول هذه التوقعات قد يدفع المواطنين إلى تحويل مدخراتهم من الجنيه إلى الدولار تحسبًا لارتفاع سعره، كما قد يشجع بعض المصريين بالخارج على تأجيل تحويلاتهم لحين اتضاح اتجاهات السوق، انتظارًا لتحقيق عائد أكبر من تحويل العملة.
وأكد ضرورة التمييز بين تطبيق سياسة مرونة سعر الصرف والتكهنات بشأن حدوث تعويم جديد، مشددًا على أن التصريحات المتداولة بشأن سوق الصرف يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة على سلوك المتعاملين، سواء صدرت بحسن نية أو بقصد إثارة الاضطراب.
ودعا إلى التعامل بمسؤولية مع التصريحات الاقتصادية في المرحلة الحالية، وعدم الانسياق وراء الشائعات والتقديرات غير المحسوبة التي قد تزيد الطلب على الدولار وتفاقم الضغوط على الجنيه.
تنسيق بين الحكومة والبنك المركزي لتوفير الدولار
وطالب الشريف بتعزيز التنسيق بين الحكومة والوزارات المعنية والبنك المركزي والقطاع الصناعي، لإعداد بيانات دقيقة بشأن احتياجات المصانع من السلع والخامات المستوردة، وتحديد أولويات تدبير العملة الأجنبية.
وشدد على أهمية وضع قواعد واضحة من جانب البنوك لتوفير الدولار اللازم لاستيراد السلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج التي تدخل في تصنيع منتجات محلية بديلة للواردات.
وأكد ضرورة عدم خضوع الحكومة لضغوط جماعات المصالح من المستوردين، معتبرًا أن ترشيد الاستيراد خلال الأزمات يمثل ضرورة لحماية موارد الدولة من النقد الأجنبي والحد من استنزاف الاحتياطي المتاح لدى البنك المركزي.
وأضاف أن زيادة الضغوط على البنك المركزي لضخ العملة الأجنبية في الأسواق ليست الحل الأفضل في المرحلة الراهنة، داعيًا إلى معالجة أسباب ارتفاع الطلب على الدولار بدلًا من الاعتماد على ضخ المزيد من الموارد لتغطية الاحتياجات المتزايدة.
مدحت الشريف يحذر من تحميل المواطنين أعباء إضافية
وفيما يتعلق بتداعيات ارتفاع سعر الدولار على الأوضاع المعيشية، أكد الشريف أن زيادة تكلفة العملة الأجنبية تنعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات، ما يستلزم مراعاة الظروف الاقتصادية للمواطنين عند تحديد أسعار الخدمات العامة والضرائب والرسوم.
وطالب بترشيد الأعباء المالية المفروضة على المواطنين، وضمان أن تكون أي زيادات في أسعار الخدمات أو الرسوم الإضافية مدروسة ومتناسبة مع الظروف المعيشية، محذرًا من أن تحميل المواطنين مزيدًا من التكاليف قد يزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
وأشار إلى ضرورة التركيز على تخفيف الأعباء الحالية، بدلًا من الاكتفاء بالتعهدات بتحسين الدخول ورفع الحد الأدنى للأجور خلال السنوات المقبلة، مؤكدًا أن التعامل مع الظروف المعيشية الراهنة يجب أن يحظى بالأولوية.
تفعيل دور جهاز حماية المستهلك لمواجهة ارتفاع الأسعار
وشدد الشريف على ضرورة تفعيل دور جهاز حماية المستهلك بصورة أكثر فاعلية، لمواجهة الممارسات التي تؤدي إلى رفع الأسعار بصورة غير مبررة، وحماية المواطنين من استغلال الأزمات الاقتصادية.
وأوضح أنه شارك في مناقشة قانون حماية المستهلك داخل البرلمان، وأصر على إدراج المادة الثامنة المتعلقة بالعقوبات خلال عمل اللجنة التي وضعت العقوبات المرتبطة بالقانون، مؤكدًا أهمية تطبيق المادة والنصوص القانونية التي تتضمن عقوبات سالبة للحرية على بعض الممارسات المرتبطة بحجب السلع الاستراتيجية أو رفع أسعارها بالمخالفة للقانون.
وطالب الحكومة بالإعلان بوضوح عن السلع الاستراتيجية التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة وترتبط بالأمن القومي، بما يتيح تطبيق القواعد القانونية على المخالفات المتعلقة بتخزينها أو التلاعب بأسعارها.
واختتم الشريف بالتأكيد على أن التعامل مع الضغوط التي تواجه الجنيه يتطلب تحركًا حكوميًا متكاملًا يجمع بين ترشيد الاستيراد، وتعميق الصناعة المحلية، وضبط سوق الصرف، وتعزيز الرقابة على الأسواق، مع مراعاة الأعباء المعيشية للمواطنين، محذرًا من أن استمرار الضغوط الاقتصادية دون إجراءات عملية لتخفيفها قد ينعكس على الاستقرار المجتمعي.