مقالات مقال رأي

عيد أحمد عيد يكتب: الخلاف ليس كفرًا

22 أكتوبر 2026 20:00
“
وجهة نظر

من أخطر ما يمكن أن يحدث في النقاش الديني أن يتحول الخلاف في رأي أو اجتهاد إلى حكم على إيمان الإنسان كله. كلمة واحدة قد تُخرج الحوار من مساحة العلم إلى مساحة الاتهام، وتفتح بابًا لا يعرف كثيرون خطورته.

ليس كل من خالفك في مسألة دينية عدوًا للدين، وليس كل من تبنى فهمًا مختلفًا خارجًا من الملة. هناك فرق هائل بين الخطأ في الاجتهاد وبين إنكار أصل من أصول الدين، وبين الخلاف الفقهي وبين الأحكام العقدية الكبرى.

المشكلة أن بعض الناس يتعاملون مع المسائل المعقدة بمنطق بسيط جدًا: من وافقني فهو على الحق، ومن خالفني فقد ضل. هذا المنطق قد يمنح صاحبه شعورًا باليقين، لكنه لا يصنع علمًا.

العلماء عبر القرون اختلفوا في مسائل كثيرة، وظلت بينهم مساحة للاعتراف بالعلم والفضل. لم يكن كل خلاف يتحول إلى حرب على العقيدة.

أدب الاختلاف يحتاج إلى تواضع. أن تعرف أن فهمك ليس هو الدين نفسه، وأن اجتهادك ليس وحيًا، وأن الخطأ قد يكون منك كما قد يكون من غيرك.

كما يحتاج إلى معرفة حقيقية بحدود الأحكام. إطلاق أوصاف خطيرة على الناس ليس حقًا متاحًا لكل من قرأ منشورًا أو شاهد مقطعًا قصيرًا.

التسرع في التكفير أو التفسيق أو التخوين الديني لا يؤذي الشخص وحده، بل يؤذي المجتمع كله، لأنه يحول الدين إلى أداة فرز وعداء.

يمكنك أن تقول إن رأيًا خاطئ، أو ضعيف، أو لا تطمئن إليه، لكن الانتقال من نقد القول إلى الحكم على قلب صاحبه يحتاج إلى علم ومسؤولية لا يملكها كل أحد.

الخلاف ليس كفرًا. هذه ليست دعوة إلى تمييع الدين، بل إلى وضع الأحكام في أماكنها الصحيحة. من يحترم الدين يجب أن يحترم كذلك خطورة الكلمات التي ينسبها إليه.

حين نتعلم أن نناقش الفكرة دون هدم صاحبها، نكون قد حفظنا للدين هيبته وللإنسان كرامته.

ومن المهم هنا ألا نختصر القضية في شعار واحد. الموضوع أوسع من جملة تتداول على المنصات، ويحتاج إلى قراءة هادئة تفرق بين الأصل والتطبيق، وبين الدين والتدين، وبين القانون والسلوك الاجتماعي. حين تختلط هذه المساحات يصبح الحكم سريعًا، وتصبح النتائج أكثر قسوة من السؤال نفسه. ولذلك فإن الرجوع إلى أهل العلم والتخصص، مع الاحتفاظ بحق الإنسان في الفهم والسؤال، هو الطريق الأكثر اتزانًا.

وفي النهاية، القيمة الحقيقية لأي فكرة تظهر في أثرها على الإنسان. إذا زادتنا علمًا ورحمة وعدلًا وقدرة على الحوار، فنحن نتحرك في اتجاه صحيح. أما إذا جعلتنا أسرع في الإدانة وأقل استعدادًا للفهم، فربما نحتاج إلى مراجعة الطريقة التي نفهم بها الفكرة قبل أن نطالب الآخرين بالالتزام بها.

ومن المهم هنا ألا نختصر القضية في شعار واحد. الموضوع أوسع من جملة تتداول على المنصات، ويحتاج إلى قراءة هادئة تفرق بين الأصل والتطبيق، وبين الدين والتدين، وبين القانون والسلوك الاجتماعي. حين تختلط هذه المساحات يصبح الحكم سريعًا، وتصبح النتائج أكثر قسوة من السؤال نفسه. ولذلك فإن الرجوع إلى أهل العلم والتخصص، مع الاحتفاظ بحق الإنسان في الفهم والسؤال، هو الطريق الأكثر اتزانًا.

AL DEFAA AL ARABI

انضم إلى مجتمع الدفاع العربي

تابع أحدث الأخبار والتقارير والتحليلات عبر منصاتنا الرسمية.